القرطبي

133

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقال الليث : الدسار خيط من ليف تشد به ألواح السفينة . وفي الصحاح : الدسار واحد الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة ، ويقال : هي المسامير ، وقال تعالى : ( على ذات ألواح ودسر ) . ودسر أيضا مثل عسر وعسر . والدسر الدفع ، قال ابن عباس في العنبر : إنما هو شئ يدسره البحر دسرا أي يدفعه . ودسره بالرمح . ورجل مدسر . ( تجرى بأعيننا ) أي بمرأى منا . وقيل : بأمرنا . وقيل : بحفظ منا وكلاءة : وقد مضى في ( هود ( 1 ) ) . ومنه قول الناس للمودع : عين الله عليك ، أي حفظه وكلاءته . وقيل : بوحينا . وقيل : أي بالأعين النابعة من الأرض . وقيل : بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها ، وكل ما خلق الله تعالى يمكن أن يضاف إليه . وقيل : أي تجري بأوليائنا ، كما في الخبر : مرض عين من عيوننا فلم تعده . ( جزاء لمن كان كفر ) أي جعلنا ذلك ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور به ، فاللام في ( لمن ) لام المفعول له ، وقيل : ( كفر ) أي جحد ، ف ( من ) كناية عن نوح . وقيل : كناية عن الله والجزاء بمعنى العقاب ، أي عقابا لكفرهم بالله تعالى . وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد ( جزاء لمن كان كفر ) بفتح الكاف والفاء بمعنى : كان الغرق جزاء وعقابا لمن كفر بالله ، وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق ( 2 ) ، كان الماء إلى حجزته . وسبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها ، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام فشكر الله له ذلك ، ونجاه من الغرق . ( ولقد تركناها آية ) يريد هذه الفعلة عبرة . وقيل : أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل . قال قتادة : أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية ، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة ، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رمادا . ( فهل من مدكر ) متعظ خائف ، وأصله مذتكر مفتعل من الذكر ، فثقلت على الألسنة فقلبت التاء دالا لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها . ( فكيف كان عذابي ونذر ) أي إنذاري ،

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 30 . ( 2 ) عوج بن عنق هو المشهور والذي صوبه صاحب القاموس هو ابن عوق لاعنق .